أحمد بن علي القلقشندي
157
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ويخرج من بابه راكبا فلا تقع عليه العين راجلا . قال : ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة ؟ فإنها من عجائب همّات السلاطين ، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية . وبظاهرها مدينة اختطها المنصور « يعقوب بن عبد المؤمن » له ولخواصّه تعرف بتامرّاكش ، وبها قصر الخلافة الذي بناه به دور عظيمة ، وبها بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا ، به بركة عظيمة لم يعمل مثلها قال العقيليّ : طولها ثلاثمائة وثمانون باعا ، على جانبها الواحد أربعمائة شجرة نارنج ، بين كل اثنتين منها ليمونة أو ريحانة . وهي أكثر بلاد الغرب بساتين ، وشجرها أكثر منها ، وبساتينها تسقى بالبئار ( 1 ) وبئارها قريبة الرشاء ( 2 ) على نحو قامتين من وجه الأرض ، وهي كثيرة الزّرع والضّرع ، وبها دار الضيافة المعروفة بدار الكرامة . وفيها يقول محمد بن محمد البربريّ من أبيات يمدحهم ويصفها : ( خفيف ) . خير قوم دعوا إلى خير دار هي للملك نضرة وكمامه عالم السبعة الأقاليم فيها ، وهم في فنائها كالقلامه وبمرّاكش جامع جليل يعرف بالكتبيّين ، طوله مائة وعشرة أذرع ، وعلى بابه ساعات مرتفعة في الهواء خمسين ذراعا ، كان يرمى فيها عند انقضاء كلّ ساعة صنجة زنتها مائة درهم ، تتحرك لنزولها أجراس تسمع على بعد ، تسمّى عندهم بالبحّانة . قال في « تقويم البلدان » : إلا أنّ الناس أكثروا فيها البساتين فكثر وخمها . قال في « الروض المعطار » : وقد هجاها أبو القاسم بن أبي عبد اللَّه محمد ابن أيوب بن نوح الغافقيّ من أهل بلنسية بأبيات أبلغ في ذمّها ، فقال : ( مخلَّع البسيط ) . مرّاكش إن سألت عنها ، فإنّها في البلاد عار ! هواؤها في الشّتاء ثلج وحرّها في المصيف نار !
--> ( 1 ) البئار : البئر : القليب ، والجمع بآر ، وفي العرب من يقلب الهمزة فيقول آبار ، فإذا كثّرت ، فهي البئار وهي في القلة أبؤر . أنظر لسان العرب ، مادة ( بأر ) . ( 2 ) الرشاء : الحبل والدلو . وهنا كناية عن عمق المياه . أنظر القاموس المحيط مادة ( رشو ) .